الموقع بريس
جريدة اخبارية تهتم بكل جديد

بقلم البروفسيرة آمال بورقية…أخلاقيات الهولوغرام بين الإبهار التكنولوجي وحدود الكرامة الإنسانية

يُعدّ الهولوغرام من التقنيات الرقمية الحديثة التي تسمح بإعادة تجسيد صورة الإنسان وصوته بشكل ثلاثي الأبعاد، وقد استُخدم في مجالات متعددة، خاصة في الفن والإعلام ، من خلال إعادة تقديم بعض الفنانين الراحلين على خشبة المسرح اعتمادًا على الصور الأرشيفية والتسجيلات الصوتية والمعالجة الرقمية. غير أنّ هذا التطور التكنولوجي، رغم ما يثيره من انبهار بصري وإعلامي، يطرح إشكالات أخلاقية وقانونية وثقافية عميقة تتعلق بالحق في الصورة، واحترام كرامة الإنسان، وحدود استعمال التكنولوجيا بعد الوفاة.

فالحق في الصورة لا يقتصر على كونه حقًا قانونيًا مرتبطًا بالملكية أو الترخيص، بل يرتبط أيضًا بالهوية الإنسانية والرمزية للشخص. فصورة الفنان وصوته وحضوره الفني ليست مجرد معطيات رقمية قابلة لإعادة الإنتاج، بل هي امتداد لذاكرته وتاريخه وعلاقته الوجدانية بالجمهور. ومن هنا، فإن إعادة “إحياء” الفنان رقميًا دون معرفة موقفه الحقيقي من هذه التقنية، أو دون وجود موافقة مسبقة وواضحة، يثير تساؤلات أخلاقية جوهرية حول احترام إرادته وحريته الشخصية، خاصة وأن كثيرًا من هذه التقنيات لم تكن موجودة أصلًا خلال حياته.

 

ورغم الحملات الإعلامية التي رافقت بعض عروض الهولوغرام، فإنها لم تحقق دائمًا إجماعًا جماهيريًا حقيقيًا، إذ شعر كثير من المتابعين بأن الصورة الرقمية المعروضة لا تعكس الحضور الإنساني الطبيعي للفنان ولا تنقل روحه الفنية الحقيقية. فالهولوغرام، مهما بلغت دقته، يبقى محاكاة مصطنعة تفتقد العفوية والتفاعل الحي والإحساس الإنساني الذي يميز الأداء الفني الواقعي. بل إن الفنان قد يظهر أحيانًا بصورة آلية أو مبالغ فيها، أقرب إلى نسخة رقمية جامدة أو محاكاة كاريكاتورية، مما قد يسيء إلى صورته الرمزية والفنية بدل أن يكرّمها. كما قد يترك هذا النوع من العروض أثرًا نفسيًا سلبيًا لدى الجمهور، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفنان عاش المرض أو رحل في ظروف إنسانية مؤثرة، إذ قد تتحول صورته في الذاكرة الجماعية من رمز فني حي إلى مشهد رقمي بارد ومشوّه يفتقد العمق الإنساني..

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول الذاكرة الفنية إلى أداة للاستغلال التجاري والعاطفي. فصناعة الترفيه لا تستثمر التكنولوجيا فقط، بل تستثمر أيضًا الحنين الجماعي والارتباط العاطفي للجمهور بنجومه الراحلين، مما يجعل الفنان بعد وفاته يتحول تدريجيًا إلى “علامة رقمية” قابلة للتسويق وإعادة الإنتاج المستمر. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدًا: هل الهدف هو تكريم الفنان فعلًا، أم تحويل صورته وذاكرته إلى منتج استهلاكي يخضع لمنطق السوق والربح؟

 

ومن الناحية القانونية، تخضع صورة الفنان وصوته بعد الوفاة غالبًا لحقوق الورثة أو أصحاب الحقوق الفنية غير أن هذا الإطار القانوني يبقى محدودًا أمام التعقيد الأخلاقي للقضية، لأن السماح القانوني لا يعني بالضرورة احترام الإرادة الحقيقية للفنان أو الحفاظ على كرامته الرمزية. كما أن اختلاف التشريعات بين الدول، خاصة في ما يتعلق بالصور الرقمية والهويات الافتراضية، يخلق مناطق قانونية رمادية تسمح أحيانًا باستعمالات تبقى محل اعتراض أخلاقي وثقافي.

وترتبط هذه الإشكالات أيضًا بتطورات أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، مثل الاستنساخ الصوتي والتزييف العميق والشخصيات الرقمية بعد الوفاة، وهي تقنيات أصبحت تطرح أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الهوية الإنسانية وحدود التمييز بين الحقيقي والمصطنع. فمع تطور هذه الأنظمة، قد يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين الأداء الواقعي والمحاكاة الرقمية، مما قد يؤثر على الثقة الثقافية والاجتماعية ويُحدث التباسًا متزايدًا بين الحقيقة والوهم.

وأمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى وضع إطار أخلاقي وقانوني واضح ينظم استعمال الهولوغرامات الفنية، يقوم على احترام كرامة الإنسان وذاكرته، واعتماد مبدأ “الوصية الرقمية” الذي يسمح للفنان بتحديد موقفه مسبقًا من إعادة استعمال صورته أو صوته بعد الوفاة، إضافة إلى ضمان الشفافية مع الجمهور والحد من الاستغلال التجاري المفرط. كما يصبح من الضروري إشراك لجان أخلاقية وثقافية مستقلة لتقييم مشروعية هذه المشاريع ومدى احترامها للقيم الإنسانية والفنية.

وفي النهاية، فإن الهولوغرامات الفنية ليست مجرد تطور تقني أو وسيلة ترفيه حديثة، بل قضية إنسانية وفلسفية تمس علاقة المجتمع بالذاكرة والموت والكرامة الإنسانية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، تستطيع إعادة تشكيل الصورة والصوت، لكنها لا تستطيع إعادة الروح أو الإحساس أو الحرية الإنسانية الحقيقية.

ولذلك يبقى السؤال الأساسي ليس فقط: هل يمكن القيام بذلك تقنيًا؟ بل: هل ينبغي القيام به أخلاقيًا، وتحت أي شروط؟ لأن احترام الإنسان بعد وفاته وحماية صورته وذاكرته يجب أن يظل فوق كل الاعتبارات التجارية أو التقنية، ولأن الفن في جوهره تجربة إنسانية حيّة لا يمكن اختزالها في محاكاة.

التعليقات مغلقة.